محمود سالم محمد
178
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
وليست محبوباتهم من لحم ودم ، وإن فصّلوا في محاسنهن ، فهنّ رموز لما يعتلج في نفوس الشعراء ، تسهّل عليهم التعبير الشجي المؤثر . وتظهر الرمزية أكثر حين نحس أن الشاعر يخاطب الحجاج على طريقة مخاطبة الظعن ، فمخاطبة الحجاج لا تسمح له بإظهار مشاعره بحرارة ودقة ، لذلك يرمز لهم بجماعة النساء اللواتي يقطعن الفيافي من معهد إلى معهد ، والشاعر يتتبع أخبارهن بلهفة وشوق ، ويحسدهن على حلولهن في تلك المرابع التي يحنّ للوصول إليها ، مثل قول القاضي الرشيد بن الزبير « 1 » : رحلوا فلا خلت المنازل منهم * ونأوا فلا سلت الجوانح عنهم ما ضرّهم لو ودّعوا ما أودعوا * نار الغرام وسلّموا من أسلموا هم في الحشا إن أعرقوا أو أشأموا * أو أيمانوا أو أنجدوا أو أتهموا « 2 » ومضى الشعراء يبثون المعاهد الحجازية أشواقهم ، ويظهرون لها مواجدهم ، فهم في حنين دائم إليها ، وفي حرقة لمشاهدتها ، يذرفون العبرات لعجزهم عن الوصول إليها ، فيستحيل وجدهم بها وجدا عاما ، أو حالا دائمة ، تشبه نزعة الصوفي الدائمة إلى الصفاء ، أو كما أوضح ابن جياء الكاتب « 3 » في حديثه عن حاله عندما قال : حتّام أجري في ميادين الهوى * لا سابقا أبدا ولا مسبوق
--> ( 1 ) الرشيد الغساني : أحمد بن علي بن إبراهيم بن الزبير ، أديب فقيه ، له مشاركة في علوم عدة ، تقدم عند أمراء مصر ووزرائها ، وأوفد داعيا إلى اليمن فادّعى الخلافة فقبض عليه ، توفي سنة ( 563 ه ) ابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب 4 / 197 . ( 2 ) الصفدي : الوافي بالوفيات 7 / 220 . ( 3 ) ابن جياء الكاتب : محمد بن أحمد بن حمزة بن جياء ، لم يكن مثله في العراق في الترسل والأدب والنظم الحسن ، لكنه ناقص الحظ ، توفي سنة ( 579 ه ) . الصفدي : الوافي بالوفيات 2 / 112 .